يوماً على النكبة وللعودة أقرب...
الصفحة الرئيسيةمن نحنالبحثاتصل بنا
الصفحة الرئيسية arrow تقارير وملفات arrow زلزال الأزمة المالية يُحدث صدعاً في قطاع التعليم بـ «الأونروا»
زلزال الأزمة المالية يُحدث صدعاً في قطاع التعليم بـ «الأونروا» طباعة ارسال لصديق
HTML clipboard

عندما يصنع المجتمع الدولي «عدم الاستقرار»
زلزال الأزمة المالية يُحدث صدعاً في قطاع التعليم بـ «الأونروا»

image048.jpg

حسام العيسى/ عمان
«من هنا يبدأ السلام..»، بهذه العبارة التي اعتمدتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، على مطبوعاتها لهذا العام، قد تكون الوكالة الدولية قد رسمت استراتيجيتها المستقبلية، ولا سيما أنها تتحدث عن أن الأجيال الفلسطينية الجديدة، وخصوصاً طلاب المدارس في المراحل الأساسية، وهم أساس أي استقرار في المنطقة.

HTML clipboard

ذلك الاستقرار المرتبط بإيجاد حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين بما يضمن السماح لهم بالعودة إلى أراضيهم التي شرّدوا منها قبل ستة عقود، والتنبيه إلى أن «أجيال المخيمات» سيكون بيدها - قصر الزمان أو بعد - زمامُ جعل المنطقة في استقرار، أو عدم استقرار إذا بقيت عمليات استهدافهم لثنيهم عن حقهم في العودة.
زرع للمفهوم أم تحذير من واقع؟
يمكن الاستنتاج مبدئياً أن هذا الشعار له أكثر من تعبير وتفسير، وقد يكفي هنا أن يُشار إلى أنه يمكن النظر إليه باعتباره تحذيراً للمجتمع الدولي من أنّ الأزمة المالية التي تخنق الأونروا جراء عدم وفاء الدول المانحة بالتزاماتها المالية، في ظل تصاعد احتياجاتها، تساهم في خلق حالة «عدم استقرار استراتيجي»، وبناء أجيال غير متعلمة وأخرى «ستقاتل» من أجل انتزاع لقمة العيش، الأمر الذي سيلغي فكرة التوصل إلى التسوية التي ينشدها المجتمع الدولي ويحثّ عليها باستمرار، إن لم تُحل قضيتهم.
وإذا ما تعلّق الأمر بالجانب الآخر من هذا الشعار، يمكن النظر إليه برأي البعض على أنه يتحدث عن «الاستراتيجية المقبلة» للأونروا، وخصوصاً بشأن التعليم، حيث سيقوم الشعار على مبدأ ترسيخ فكرة السلام والعيش المشترك وغيرها من المفاهيم، التي يظن البعض أنها أصبحت من الأمور الواقعة على الأرض التي يصعب تغييرها، وأنه لا بد من التأقلم معها.
بل يرون أن هذا الشعار قد يكون محاولة لزرع مفاهيم يهدفون بها فرض ثقافة «التخلي عن الحقوق»، عبر مسميات التعايش السلمي، حتى مع الذي يحتل الأرض ويشرّد أصحابها.
ومن الأسباب التي يحتمل أنها رسمت الصورة السلبية للشعار في ذهن الرافضين له، قيام الأونروا في عام 2005 بإنشاء برنامج تحت مسمى «حقوق الإنسان والتسامح وحلّ النزاعات»، الذي يرون فيه حقاً يراد به أمور أخرى، ولا سيما أن فكرة إدخال «الهولوكوست»، التي تتحدث عما تعرّض له اليهود إبان العهد النازي، في مناهج التدريس في قطاع غزة، تأتي في هذا الإطار.
واقع الحال..
ولإدراك أثر الأزمة المالية التي تعانيها الأونروا على قطاع التعليم في مناطقها الخمس (الأردن، سورية، الضفة الغربية، قطاع غزة، لبنان)، لا بد من الإشارة إلى أن أكثر من 50% من موازنة الأونروا العادية، البالغة نحو 1.1 مليار دولار، تذهب إلى قطاع التعليم، (حيث بلغت ميزانية برامج التعليم لعام 2008- 2009 حوالى 565 مليون دولار).
بناءً على ذلك، فإن العجز في الموازنة الذي قدّر بأكثر من 140 مليون دولار للسنة المالية الجديدة، قد يخلق فجوة تعليمية كبيرة بين مدارس الأونروا والمدارس الأخرى في الدول المضيفة، بحسب تأكيد المسؤولين في الأونروا، الأمر الذي سيكون له سلسلة تداعيات خطيرة على مستوى التعليم، وهو ما سيؤثر على مستقبل الأجيال القادمة.
ويجب الأخذ في الاعتبار أن ثلثي موظفي وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين يعملون في قطاع التعليم، ويقدّر عددهم بنحو 22 ألف معلّم، من أصل ثلاثين ألف موظف هم إجمال عدد العاملين في الوكالة، ما يعني أن الأزمة المالية في الأونروا ستستهدف أكبر شريحة موظفين في الأونروا.
وبالنظر إلى ما تصف الأونروا نفسها، حين يتعلّق الأمر بالتعليم، بأنها «أكبر الأنظمة المدرسية في الشرق الأوسط»، وبأنها كانت المزود الرئيسي للتعليم الأساسي للاجئين الفلسطينيين لأكثر ستين عاماً، بل وتصر على الإشارة إلى أن طلاب الوكالة يُعدّون من أفضل المتعلمين في المنطقة. لكنها تؤكد في الوقت ذاته، إقراراً بواقع الحال، تراجع هذه «الإنجازات» بسبب الأزمة المالية التي لم تكن وليدة السنة المالية الحالية، بل يحذرون مما هو أسوأ إن استمر الأمر على ما هو عليه.
الاحتياجات تزداد.. والتمويل يتناقص
تسعى الأونروا إلى الاستمرار في توفير خدمة التعليم الأساسي المجاني لأكثر من نصف مليون من الأطفال والشباب اللاجئين الفلسطينيين في مناطق العمل الخمسة التي تعمل بها، مع الإشارة هنا إلى أنها تستخدم المناهج التعليمية التي تطبقها وزارات التربية والتعليم في الدول المضيفة.
ويتم بوجود هذا البرنامج توفير تعليم مجاني في المرحلتين الابتدائية والإعدادية من خلال 689 مدرسة تنتشر في مناطق عملياتها، 78% منها تعمل حسب نظام الفترتين (الصباحية والمسائية) من أجل استيعاب الأعداد الكبيرة من الطلبة المسجلين لديها من أبناء اللاجئين.
ورغم «الإنجازات» التي تتحدث عنها الوكالة الدولية، هناك تحديات جوهرية تناولتها في كتاب أصدرته حديثاً يتحدّث عن «الاستراتيجية المتوسطة الأجل للوكالة (2010 – 2015)»، وهي على النحو الآتي:
- تراجع مستويات التعليم في بعض مواقع الأونروا خلال السنوات الأخيرة، رغم أن البيانات كان تشير سابقاً إلى تفوق طلاب الأونروا في سورية والأردن على نظرائهم في المدارس الحكومية التابعة للدول المضيفة.
- تراجع نسبة التسجيل في مدارس الأونروا بنسبة أدنى مما هو متوقع، ولا سيما في سورية والأردن، في حين أن التسجيل في مدارس الضفة وقطاع غزة بقي ضمن المعدّل المتوقع.
- نسبة من الطلاب في مدارس الأونروا لا يكملون تعليمهم الأساسي، وذلك بسبب العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، مثل العمل لإعالة الأسرة ودعمها، الذي يفسر تدني مستويات التسجيل وارتفاع نسبة التسرب من المدارس في العديد من الميادين التي تعمل بها الأونروا.
- انخفاض نفقات التعليم بالنسبة إلى الطفل الواحد بشكل حقيقي في مدارس وكالة الأونروا.
- 17% من مدارس الأونروا توجد في مبانٍ غير مناسبة، كما أن وقت التدريس والنشاطات غير المنهجية قصير نتيجة لنظام الفترتين، المطبق في 78% من مدارس الأونروا.
- عدد الطلاب في الفصل الدراسي مرتفع، ولا سيما أن 65% من مدارس الأونروا في الضفة والقطاع يتراوح فيها عدد الطلاب ما بين 41 و50 طالباً.
- نوعية المعلمين ليست مناسبة دائماً، علاوة على ذلك يكتنف العمل الميداني للوكالة تحديات ذات مستوى عال من العنف في المدارس.
- عدم توافر أماكن لبناء مدارس إضافية لضمان استمرار العملية التعليمية في الأونروا، ولا سيما مع ازدياد عدد اللاجئين، وهذا يعني التمسك بالمحافظة على العناصر الأساسية الحالية لخدمات التعليم وإيجاد تمويل لها، مثل رواتب الموظفين والكتب المدرسية والأثاث والمعدات واللوازم.
- الوضع الحالي للخدمات لا يلبي احتياجات 20% من الطلاب الذين لديهم احتياجات تعليمية خاصة، ويحتاجون إلى مساعدة من نوع مختلف عن باقي الطلاب.
شد الأحزمة.. إلى متى؟!
لم يعد الأمر سراً حين نقول إن الأونروا تتجه إلى عدم استحداث وظائف جديدة في القطاع التعليمي ضمن إطار إجراءات «خفض الخدمات» المقدمة للاجئين الفلسطينيين بسبب ما تصفه الوكالة بـ«الأزمة المالية الخانقة التي تشهدها حالياً».
يجري الحديث حالياً عن أن إدارة الأونروا ستصدر جدول التشكيلات المدرسية بصيغته النهائية، وسيبقى على الوضع الحالي من حيث حجم الكادر الوظيفي في القطاع التعليمي من دون استحداث وظائف جديدة. وأن ذلك التوجه يعني أن القائمين حالياً على القطاع التعليمي سيتحملون العبء الوظيفي الراهن، في وقت يقدر فيه العاملون الحاجة إلى أكثر من 100 معلم ومعلمة واستحداث 72 شعبة صفية إضافية.
لكن الأمر من وجهة نظر العاملين في سلك التعليم؛ هو أن هذا التوجه إنما يعني إلغاء أكثر من مائة وظيفة في القطاع التعليمي من معلمين ومعلمات ومديرين ومساعدين وأذنة، إضافة إلى دمج بعض الشعب الصفية وإغلاق بعضها الآخر داخل مدارسها، حيث إن خفض عددها يؤدي تلقائياً إلى النقص في الكادر التعليمي. ويبقى التساؤل حاضراً: إلى متى ستتواصل سياسة خفض الخدمات وشدّ الأحزمة؟
آثار الأزمة بدأت بالظهور
ولا يغيب هنا عن الأذهان نتائج التحصيل العلمي داخل مدارس الأونروا في الفصول التي لا تتقدم إلى الامتحانات الرسمية، فلا يمكن الحصول على نتيجة واقعية وصريحة بسبب عملية «الترفيع الآلي» (النجاح التلقائي) المعتمد من إدارة الأونروا، وهو تحديد نسبة الناجحين في كل سنة دراسية حتى قبل صدور نتائج الامتحانات النهائية.
إلا أن نسبة التدهور الحاصل في عملية التعليم والتعلم في مدارس الوكالة باتت واضحة بعد اعتماد امتحان «الكول» الذي اعتمد أخيراً لصفوف السادس، والذي يظهر تراجعاً واضحاً، إذ لم تتجاوز نسبة النجاح في هذا الامتحان 20% من الطلاب.
ورغم ذلك، لا مناص من رصد أسباب تدني مستوى التعليم في مدارس الأونروا والزيادة المطّردة في أعداد المتسربين في المدارس، وبالتالي انخراطهم المبكر في القوى العاملة (ابتداءً من 8 سنوات)، ومن بين المؤشرات المتعلقة بذلك ما يأتي:
- الأعداد المحدودة للمدارس وانحسار غالبيتها ضمن حدود المخيمات.
- الاكتظاظ داخل الفصول الدراسية، حيث يبلغ عدد الطلاب في كثير من صفوف المدارس أكثر من خمسين طالباً.
- دوام النظامين الذي يغلب على أكثر مدارس الأونروا ويقلل عامل الوقت لإعطاء الدروس والحرمان من الأنشطة المرافقة للمناهج.
- 45% من المدارس مستأجرة وتفتقر المدارس إلى الملاعب والتهوية والإضاءة المناسبة.
- معاناة الكثير من المدارس نقصاً في كادرها التعليمي.
وفي الختام؛ لا بد من ملاحظة الدلالات المتباينة لتحذير الأونروا من أنها تواجه «عجزاً مالياً لم تشهده منذ نشأتها»، وأن ميزانيتها قد بلغت صفراً، بما يهدد انتظام دفع الرواتب ونقص مستوى الخدمات التي تقدمها الوكالة للاجئين الفلسطينيين.
بالمقابل؛ فإنه لا يمكن تجاهل استمرار انتهاكات الاحتلال التي يستهدف تدمير البنى التحتية الأساسية للاقتصاد الفلسطيني وإلحاق الدمار في مختلف مناحي الحياة، ولا سيما في قطاع غزة الذي لا يزال يعيش في حصار خانق، رغم الحرب الأخيرة، التي أدّت إلى تشريد 39 ألف طالب من أبناء غزة من مدارسهم ليدرسوا في الخيام، كما لا يمكن إغفال التحركات الإسرائيلية الهادفة إلى إنهاء عمل الأونروا، التي ما زالت شاهدة على تهجير الفلسطينيين من أرضهم منذ أكثر من ستين سنة

المصدر: مجلة العودة

 
< السابق   التالى >