يوماً على النكبة وللعودة أقرب...
الصفحة الرئيسيةمن نحنالبحثاتصل بنا
الصفحة الرئيسية arrow تقارير وملفات arrow إغلاق مخيم التنف الصحراوي... اذا يقول أعضاء رابطة فلسطينيي العراق بعد أربع سنوات مع المخيم؟
إغلاق مخيم التنف الصحراوي... اذا يقول أعضاء رابطة فلسطينيي العراق بعد أربع سنوات مع المخيم؟ طباعة ارسال لصديق
HTML clipboard

إغلاق مخيم التنف الصحراوي
ماذا يقول أعضاء رابطة فلسطينيي العراق بعد أربع سنوات مع المخيم؟

image105.jpg

ماهر حجازي/ دمشق
ولد في ذكرى النكبة في 15/5/2006، وانتهى في 1/2/2010.. إنه مخيم التنف الصحراوي بين الحدود السورية العراقية الذي أغلقته المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، بعد نحو أربع سنوات من ضنك العيش والمأساة الإنسانية، أربع سنوات فيها المر والحلو، فيها تجارب وذكريات مع المخيم وأهله عشناها طوال السنوات الماضية نحن في رابطة فلسطينيي العراق، فكانت التجربة الإغاثية والإنسانية والإعلامية التي ساهمت بإنقاذ أهل المخيم وعملت على تيسير سبل العيش ومتطلباته.

HTML clipboard

سنسرد في هذه الحلقة ذكريات فريقنا مع أهلنا في مخيم التنف.
ثالث المخيمات
في البداية لا بد من لمحة مختصرة عن مخيم التنف، الذي يُعد ثالث مخيم صحراوي للاجئين الفلسطينيين من العراق بعد مخيم الرويشد في الأردن والهول في سورية، وهو يقع بين نقطتي الحدود السورية والعراقية، على بُعد مئات الأمتار فقط من الجانب السوري، لذا يخضع أمنياً للسلطات السورية.
عند تأسيس المخيم كان يسكنه 330 لاجئاً داخل مجموعة من الخيام، ارتفع العدد ليتجاوز 700 لاجئ نتيجة نزوح عائلات فلسطينية من مخيمات سورية إليه بحثاً عن حلّ لمأساتهم، وقد تعرض المخيم للسيول الجارفة والحرائق التي راحت ضحيتها إحدى اللاجئات. وعانى اللاجئون فيه تدهوراً في الخدمات والصحة والبيئة المقفرة، وكانوا على الدوام يستغيثون لإنهاء معاناتهم. ولقد تمّ ذلك وأُغلق المخيم بعد أن هُجّرت مجموعات منهم إلى تشيلي والسويد والنرويج وإيطاليا وكندا وبريطانيا وبلجيكا.. ولا يزال المئات ينتظرون في مخيم الهول بمدينة الحسكة السورية.
الرحلة الأولى
عضو الرابطة حسن المقشر يبدأ حديثه عن زيارته الأولى للمخيم: «عندما رأيت لأول مرة مخيم التنف، استرجعت الأبيض والأسود في الأفلام الوثائقية عن النكبة، وتفاصيل هجرة آبائنا بعد أن اغتصبت أرضنا، والخيام التي شكلت المخيمات القائمة الآن. إنه الماضي يعيد نفسه».
تذكّر معنا وفاة اللاجئ عزيز اللبد، الذي رافقه في إحدى الرحلات إلى التنف ليزور عائلته، وهو يتساءل كيف سيكون حال زوجته وأبنائه بعد سنوات الفراق الطويلة. ويصف مشهد الوداع بين الأب عزيز وطفله (4 سنوات)، كل واحد منهما متشبث بالآخر لا يريد أن يتركه، وكأن الطفل أحس بأنه اللقاء الأخير، فقد توفي الأب بعد مدة في اليونان، حيث كان يجري معاملة لمّ الشمل مع عائلته.
يقول حسن: «حدثني أهل المخيم عن أوضاعهم الصعبة وما حلّ بهم في هذه الصحراء المقفرة من حرائق وفيضانات والحر الشديد والبرد القارس.. أحد اللاجئين يخبره عن ابنه محمد (10 سنوات) الذي دهسته سيارة على مقربة من المخيم (راح ابني محمد يا حسن)».
يستغرب حسن أن تكون في القرن الحادي والعشرين مدرسة المخيم مكونة من الخيام والمقاعد البلاستيكية، حتى إن الأطفال طلبوا منه أن يأخذهم بجولة في حافلة الرابطة، لأنهم ولدوا في المخيم ولم يركبوا حافلة في حياتهم.
غرق المخيم
في إحدى ليالي الشتاء حيث يفترض أن تكون العائلة مجتمعة حول المدفأة، كان أهلنا في التنف يصارعون السيول الجارفة بفعل الأمطار الغزيرة التي دخلت إلى خيامهم لتدمر ممتلكاتهم من أثاث ومساعدات غذائية.
«اتصال على هاتفي من لاجئ في المخيم (أبو يحيى غرقنا بمياه الأمطار)، على الفور شُكّلت غرفة عمليات لإنقاذ المخيم، أُجريت عدة اتصالات من قبل رئيس الرابطة ثامر مشينش لتوفير شاحنات الإسمنت والرمل لمواجهة السيول».
بعدها توجه عمر برهم (أبو يحيى) عضو الرابطة المتابع لملف مخيم التنف إلى مدينة حمص لإحضار هذه الشاحنات، ليصلوا مخيم التنف عند الساعة السابعة صباحاً من اليوم الثاني للكارثة.. لكن الكمية لم تكفِ حاجة اللاجئين، فاضطر وفد الرابطة للعودة إلى دمشق ثم إلى حمص التي تبعد عن التنف 300 كم، وعادوا ومعهم شاحنات أخرى.
يقول عمر: «قضينا ثلاثة أيام بين التنف ودمشق وحمص في خدمة أهلنا المنكوبين، ولقد تأثرت جداً بما شاهدته وعايشته من مواقف ومِحَن مع قضية مخيم التنف الصحراوي».
أم تفقد أجنّتها
«شعرت برغبة عارمة بالبكاء لمجرد أن وقع نظري على خيام اللاجئين، هول المشهد أشد بؤساً وقسوة مما حدثني عنه رفاقي الذين سبقوني إلى معاناة أهلنا في مخيم التنف».
ضياء حوراني عضو الرابطة، ومتابع للملف الطبي للاجئين في مشفى فلسطين، يتفقد أحوالهم ويقدم لهم المساعدة التي يحتاجونها خلال فترة تلقيهم العلاج، يصف الصبر والجلد لدى اللاجئين على تحمل الصعاب وضنك العيش، لعِب الأطفال بين الحصى والرمال، حديث الجد لأحفاده أمام الخيمة عن فلسطين والتآمر على الشعب الفلسطيني.
ويتساءل لماذا يحق لأطفال أمريكا اللعب والأمان والمستقبل، بينما أطفال فلسطين في المخيمات الصحراوية تسرق أشواك الصحراء أحلامهم وأمنياتهم البريئة..لا أعلم!!
أما عن العلاج الصحي ومشاكله فيذكر ضياء حادثة مروعة راح ضحيتها ثلاثة أجنة في رحم أمهن، ونتيجة للوضع الصحي المتردي في المخيم. تدهورت صحتها، ونقلت إلى مشفى فلسطين بدمشق، وصلت الأم بعد أربع ساعات وهي حامل في الشهر السابع، لكن إرادة الله شاءت، لقد توفي أطفالها الثلاثة، يقول ضياء: «وضعنا الأطفال في أكياس حيث توفي الطفل الثالث وهو في الكيس، دفناهم في المقبرة. إلى اليوم لا تفارق صورهم تفكيري، لكن العزاء أننا أبناء شعب تعود تحمل الصعاب والمشاق لتحرير الأرض والعودة».
الرحلة الأخيرة
عمار برهم (أبو ياسر) عضو الرابطة الناشط في المجال الاجتماعي، استذكر معنا أجمل اللحظات بصحبة اللاجئين في التنف، أولى هذه الذكريات كانت رحلة العرس الجماعي، حيث انطلق وفد الرابطة باتجاه المخيم لإدخال الشباب وعائلاتهم إلى دمشق، وهم المشاركون في العرس الجماعي الثالث الذي أقامته حركة حماس. يقول عمار: «حضر معنا أربعون عريساً ومباشرة إلى مكان العرس، ووصلنا بعد أن أنهكنا التعب الذي سرعان ما تبدد أمام الفرحة العارمة التي رأيناها في عيون شباب مخيم التنف».
عمّار حالفه الحظ بأن يكون آخر من زار مخيم التنف قبيل إغلاقه بأيام، لقد جاءه اتصال من اللاجئين يشكون قلة الخضار والطعام. ورغم الجو البارد والأمطار الغزيرة، قررت الرابطة إرسال شاحنات غذائية فورية إلى المخيم، وقد ترأس الحملة عمّار.
وصلت الحملة إلى المخيم، صُعق عمار مما شاهده من دمار في المخيم وتذمر اللاجئين الباقين بعد ترحيل المئات إلى مخيم الهول في مدينة الحسكة السورية، في هذه اللحظات استذكر عمار أربع سنوات قضاها مع هذا المخيم وأهله وما عانوه من أعباء السفر في الحر والبرد، ليختم حديثه: «بإذن الله سنبقى على هذا الدرب حتى العودة إلى ديارنا فلسطين».
الأعمال بالنيات
لي مع مخيم التنف ذكرى لن تضمحل مع الأيام.. ذكرى سأقصّها على أبنائي عندما يكبرون.. ذكرى من أجمل الذكريات، رغم ما خلفته من ألم لي ولغيري.
إنها حادثة وفاة الشاب اللاجئ محمد الشيخ خليل، كنت التقيت به أول مرة في رحلة إلى المخيم، وذلك في بدايات بحثي في معاناة فلسطينيي العراق.
كان يجلس بجواري في الحافلة، تعارفنا، وسمعت قصة اختطافه في العراق وتعذيبه حتى أصيب بفشل كلوي، وهو يعيش بدمشق كحالة إنسانية لتلقي العلاج بينما تعيش زوجته وطفلاه في مخيم التنف، وهو ذاهب لإحضارهم للعيش معه بعد حصوله على موافقة.
وصلنا إلى المخيم وكانت زوجته تنتظره عند نقطة الحدود، وعند عودتنا سألت عنه فقالوا إنه يقوم بإجراءات دخول عائلته معه إلى سورية، غادرنا ونحن على علم بأنه سيلحق بنا.
في اليوم الثاني تلقيت اتصالاً من أحد اللاجئين يخبرني بأن محمداً أصيب بشلل وأُدخل إلى دمشق في حالة موت سريري، ليتوفى في الطريق، عندها قمت بإعداد خبر صحفي عن الوفاة وأسبابها، عممته على وسائل الإعلام المختلفة.
بعد ذلك ذهبت مع الأخ ثامر مشينش رئيس الرابطة إلى مستشفى دُوما لتسلّم الجثة.. في اليوم التالي تسلّمناها وقمنا بغسلها، وجلست إلى جانب نعشه في سيارة الإسعاف، أفكر فيه وقد مات مظلوماً، صلينا عليه في مسجد الوسيم بمخيم اليرموك ثم ووري في مقبرة الشهداء.
في المساء أقمنا له بيت عزاء أيضاً أمام مسجد الوسيم، فما إن وصلت مجلس العزاء حتى كانت المفاجأة. أخبروني أن إحدى الفضائيات تنشر خبر استشهادي في الشريط الإخباري بهذا الشكل «استشهاد اللاجئ الفلسطيني ماهر حجازي في مخيم التنف بين سورية والعراق».. زميلي في العمل اتصل بي وهو يعلم أنني كنت في مخيم التنف قبل يوم، وكرر علي السؤال: «أنت ماهر..؟»، وعندما عدتُ إلى المنزل وجدت خبر الاستشهاد موجوداً. وتبيّن أن لبساً وقع بين اسم ناشر الخبر وموضوع الخبر.
الذكريات مع أهلنا في مخيم التنف كثيرة، وقد تحتاج إلى حلقات وحلقات، لكننا سعيدون بخلاصهم من حياة الموت البطيء رغم الثمن الباهظ بسلخهم عن أمتهم إلى أمم أخرى..
حبذا لو أن العرب هم من فتحوا أبوابهم لهؤلاء المستضعفين..
بإذن الله هم عائدون هذا ما وعدونا به.
ولن يخذلونا، والملتقى فلسطين.

 
< السابق   التالى >