دراسات وأبحاث
دراســـة بعنـــوان تــوطــين اللاجئين الفلســــطينييـن فــي العـــــراق | دراســـة بعنـــوان تــوطــين اللاجئين الفلســــطينييـن فــي العـــــراق |
|
|
|
دراســـة بعنـــوان تــوطــين اللاجئين الفلســــطينييـن فــي العـــــراق
مقدمة يُعدّ موضوع التوطين من أخطر المواضيع التي يتعرض لها اللاجئون الفلسطينيون في دول اللجوء لما في ذلك من شطب لحقهم في العودة وتقرير المصير، الأمر الذي يعطي هذا البحث أهميةً كبيرة. لذلك جاء هذا البحث دراسةً تأصيليّةً لموضوع التوطين بشكل عام, وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في العراق بشكل خاص. فتناول القضية من عدة محاور كان أولها التعريف بمشكلة اللاجئين وسبب ظهورها من خلال تمهيد بسيط يعرض ارتباط مشكلة اللاجئين بمشكلة اليهودية، ثم تناول البحث تعريف التوطين باللغة والاصطلاح السياسي, وكيف ينظر إليه كلٌّ من القانون الدولي الإنساني والمواثيق الدولية والجامعة العربية. ثم تمّ إفراد فصل خاص للتعريف باللاجئين الفلسطينيين في العراق والمشاريع الداعية إلى توطين الفلسطينيين هناك، وعرض المواقف الدولية والعراقية والفلسطينية. وفي الختام تم تثبيت النتائج والتوصيات المستنتجة من الدراسة. ومن الجدير ذكره أن هناك بعض الصعوبات التي واجهتني في البحث كصعوبة الحصول على بعض المراجع التي تكشف المواقف الحقيقية للسلطة الفلسطينية والحكومة العراقية الحاليّة من مشروع التوطين. أسأل الله أن أكون قد وفقت في تقديم هذا الطرح بشكل موضوعي ودقيق، فما فيه من توفيق فهو من الله وما فيه من زلل فهو مني والله من وراء القصد.
تمهيد نشأت مشكلة اللاجئين الفلسطينيين عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين 1948م نتيجةً لعوامل متعددة، لن نستطيع فهمها إلا بالعودة إلى تاريخ القضية الفلسطينية وجذورها. فالمؤامرة للاستيلاء على فلسطين وترحيل شعبها بدأت مع نشوء ما يسمى المشكلة اليهوديّة في أوروبا الشرقية إثر مقتل قيصر روسيا ألكسندر الثاني الذي وجّه الاتهام به إلى اليهود، فأخذوا على أثرها ـ ونتيجة للضغط عليهم ـ بالهجرة إلى أوروبا الغربيّة وأمريكا الشمالية والجنوبية، مما أتاح الفرصة للحركة الصهيونية من الظهور والمطالبة بإنشاء كيان آمن مستقل لليهود في فلسطين حلاً لمشكلتهم. واستطاعت الحركة الصهيونية بأكاذيبها استمالة عطف الكثير من الأمريكان والأوروبيين، ولا سيّما بعد نجاحها في إقناع الحركة البروتستانتية القائمة على الفكر التوراتي بأن اليهود هم أهل فلسطين المشردين على الأرض الذين سوف يجمعهم الله في فلسطين لعودة المسيح المنتظر ([1]). وبالتدقيق في سلوك اليهود نجد أنهم أحسنوا التخطيط لتحقيق هدفهم في الاستيلاء على فلسطين ونجحوا في توظيف السياسة البريطانية لخدمة مشروعهم، ثم توجهوا وبخطوة عملية للاستفادة من الوجود الأوروبي فلسطين من خلال القناصل الذين لعبوا دوراً هاماً في تقويض نظام الحكم العثماني الرسمي لفلسطين وتوفير الأجواء المناسبة لتحقيق الرغبة اليهودية في الهجرة إليها ([2]). بالإضافة إلى ما سبق لا يمكن إغفال مصالح القوى الاستعمارية ومطامعها في المنطقة والمتمثّلة بالقوة العظمى آنذاك بريطانيا في نشوء كيان فاصل بين جناحي العالم الإسلامي يمنع وحدته ويضمن ضعفه وتفككه، فقرّر المجتمعون في مؤتمر لندن مابين عامي ألف وتسعمائة وخمسة (1905م) وألف وتسعمائة وسبعة (1907م) إنشاء الكيان الصهيوني ليكون حاجزاً بشرياً قوياً شرق المتوسط معادياً لشعب المنطقة, وفي الوقت نفسه صديقاً للدول الأوروبية ومعتمداً عليها ([3]). وفعلاً بدأ التوغل الصهيوني في أرض فلسطين على شكل هجرات يهودية متواصلة، وأخذ المغتصبون اليهود ببناء المغتصبات وتشكيل العصابات المسلحة التي مارست فيما بعد أبشع سياسات القتل والتنكيل, بأسلوب خلت منه الرحمة وسكتت عنه الحضارة الأوروبية, أدّت في نهاية المطاف إلى اغتصاب وطن بأكمله وتشريد حوالي ثمانمائة ألف فلسطيني أصبحوا في عداد اللاجئين. فالفكر الصهيوني ينفي علاقة الشعب الفلسطيني بوطنه ويعده عنصراً غير ثابت على الأرض وبالتالي من المباح إجلاؤه عنها ([4]). كتبت الممارسات الصهيونية تاريخها الدموي البشع بدماء العرب والفلسطينيين، حتى صار لكل ذي بصيرة القدرة على استنتاج المنهج التي قامت عليه, وهو المنهج الإحلالي والعنصري. فالحركة الصهيونية اعتمدت على الهجرة وامتلاك ([5]) الأراضي أساساً ليقام الوطن اليهودي في فلسطين, فعملت على ابتداع الخطط وطرح المشاريع الداعية إلى اقتلاع الفلسطينيين وترحيلهم ترحيلاً طوعياً أو قسريّاً إلى أماكن مختلفة خارج فلسطين منذ بدايات القرن المنصرم, لإحلال اليهود القادمين من شتى بقاع الأرض مكانهم تحت ذرائع ومزاعم توراتية لا أساس لها من الصحّة. وكان العراق أحد هذه الجهات التي اقترحتها الخطط الصهيونية لتهجير الفلسطينيين إليه وإعادة توطينهم فيه.
توطين الفلسطينيين في العراق أولاً: التوطين في اللغة والاصطلاح: التوطين لغةً: أصل الكلمة مشتق من الجذر "وطن" ([6]) والوَطَنُ مَحَلُّ الإِنسان. وأَوْطَانُ الغَنَم مَرَابِضها, وأَوْطَنَ الأرض ووَطَّنَها واسْتَوْطَنَها واتَّطَنَها أي اتَّخَذَها وَطَناً, وتَوْطِين النَّفْس على الشَّيءِ كالتَّمْهِيد, والمَوْطِن المَشْهَد مِنْ مَشَاهِد الحَرْب قال اللهُ تعالى (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ في مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ). وفسر الفيروز آبادي في القاموس المحيط ([7]) الوَطَنُ، مُحرَّكةً ويُسَكَّنُ مَنْزِلُ الإِقامَةِ، ومَرْبَطُ البَقَرِ والغَنَمِ ج أوطانٌ. وَوَطَنَ به يَطِنُ وأوْطَنَ أقامَ. وأوْطَنَهُ وَوَطَّنَهُ واسْتَوْطَنَهُ اتَّخَذَهُ وَطَناً, ومَواطِنُ مكةَ مَواقِفُها، ومن الحَرْبِ مشاهِدُهَا, وتَوْطِينُ النفس تَمْهِيدُها, وتَوَطَّنَها تَمَهَّدَها, والمِيطانُ، بالكسر الغايَةُ، وموضِعٌ يُوطَنُ لتُرْسَلَ منه الخَيْلُ في السِباقِ, وواطَنَهُ على الأمْرِ وافَقَهُ. وذكر صاحب التعريفات ([8]) الجرجاني: "الوطن الأصلي هو مولد الرجل والبلد الذي هو فيه، ووطن الإقامة موضع ينوي أن يستقر فيه خمسة عشر يوماً أو أكثر من غير أن يتخذه مسكناً".
التوطين في المصطلح السياسي: منح اللاجئ جنسية البلد التي لجأ إليها ([9]) ، أي بغضّ النظر عن حقه في وطنه الأم.
التوطين بالمفهوم الفلسطيني: تلك العملية الإحلاليّة السياسيّة المدعومة بمجموعة من (الإجراءات القانونية) تهدف إلى تثبيت التحول الديموغرافي والجغرافي في فلسطين لصالح الاستعمار الإحلالي الصهيوني. ([10])
ثانياً: التوطين في القانون والمواثيق الدولية v التوطين في القانون الدولي العام: يخالف التوطين أهم المبادئ والقواعد الآمرة في القانون الدولي العام, وهو مبدأ حق تقرير المصير([11]) الذي منح الشعوب وحدها الحق في تقرير مصيرها السياسي والاقتصادي، والحق في أن تختار الوطن والأرض التي تعيش فيها وعليها دون تدخّل من أحد, وبالتالي يُعدّ التوطين انتهاكاً لهذا المبدأ لأنه لا يحترم رغبة السكان الحقيقية، ويصادر إرادتهم في تقرير مصيرهم السياسي بإبعادهم عن أرضهم ووطنهم وتوطينهم في أرض ليست أرضهم، ووطن ليس هو موطنهم الأصلي والحقيقي.
v التوطين في القانون الدولي الإنساني: ويُعدّ التوطين مخالفاً لقواعد القانون الدولي الإنساني وأحكامه ومبادئه، ولا سيّما المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة والتي تنص على: "يُحظر النقل الجبري الجماعي أو الفردي للأشخاص المحميين، كما يُحظر نفيهم من الأراضي المحتلة إلى أراضي دولة احتلال أو أراضي أية دولة أخرى محتلة كانت أم غير محتلة، أياً تكن الدواعي. ([12])
v التوطين وقرارات الأمم المتحدة: يتعارض التوطين مع حق العودة الذي يُعدُّ حقاً طبيعياً وليس حقاً قانونياً من صنع الأنظمة القانونية فقط، والحق الطبيعي يضمنه القانون ولا يستطيع منعه أو الحدّ منه فقد أكَّدته الأمم المتحدة مائةً وخمساً وثلاثين مرة في قرارات صادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن. ([13])
v التوطين وقرارات الجامعة العربية: حق العودة الفلسطيني في قرارات القمة العربية أيَّدته جامعة الدول العربية في أكثر من ثلاثين قراراً، وكل قرار ينصّ على حق عودة اللاجئين الفلسطينيين يعد في الوقت ذاته قراراً يحرّم ويجرّم التوطين، سواء الخارجي أو الداخلي ويخرج التوطين من دائرة الشرعية ويصِمُه بعدم المشروعية ([14]). إلا أن تبني مجلس جامعة الدول العربية المنعقد على مستوى القمة في دورته الرابعة عشرة للمبادرة التي طرحها الملك عبد الله والتي عرفت فيما بعد بالمبادرة العربية للسلام التي طرحت ضرورة التوصّل إلى حل عادل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين يتفق عليه وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، شكّل خرقاً للقرارات السابقة والقانون الدولي الذي قضى بحل وحيد لقضية اللاجئين وهو العودة إلى ديارهم التي خرجوا منها وليس على حل عادل لمشكلة اللاجئين، كما أن الفقرة التي أشارت إلى رفض كل أشكال التوطين الذي يتنافى والوضع الخاص في البلدان العربية المضيفة، فقرة غامضة ومبهمة وتشكل تغيراً نوعيا في الموقف العربي حيال فكرة التوطين .
v التوطين في القانون الدولي لحقوق الإنسان: رفضت نصوص القانون الدولي لحقوق الإنسان التوطين, وأعطت الحق لكل إنسان في التمتع بجميع الحقوق والحريات دون التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني، وكذلك منعت استعمال التعسف والتدخل في الشؤون الخاصة للفرد من حيث المسكن والجنسية والتملك في المواد (12، 15، 17). ([15])
v التوطين في المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان: يخالف التوطين أيضاً جميع المواثيق الإقليمية لحقوق الإنسان ([16])، (الميثاق العربي لحقوق الإنسان، الميثاق الإسلامي، الميثاق الأوروبي، الميثاق الأمريكي، والميثاق الإفريقي)، والتي نصّت على حق الإقامة في الوطن، وعدم طرد أي إنسان من وطنه ومحل إقامته وإجباره على الإقامة والعيش في دولة غير دولته التي وُلد فيها وأقام عمره، وفيها ملكه وأسرته.
ثالثاً: الوجود الفلسطيني في العراق v تاريخ الوجود الفلسطيني في العراق: حلت النكبة في الشعب الفلسطيني ولجأ إلى العراق ما يقارب أربعة آلاف وثلاثمائة لاجئ، بشكل مختلف من حيث العدد والدوافع عن ما لحق بالدول العربية المجاورة لكونه بعيداً نسبياً عن فلسطين. وتعود جذور الفلسطينيين الذين توجهوا للعراق إلى قرى المثلث (إجزم، جبع، عين غزال) في الجليل الأعلى الذين ربطتهم بالجيش العراقي المتمترس في مواقع العمليات آنذاك روابط الألفة والمحبة والنضال المشترك ([17]). فأنشأت السلطات العراقية مديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين وعرَّفت اللاجئ الفلسطيني بأنه الإنسان الذي هاجر من بلده المحتل عام ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين ودخل العراق وأقام فيه قبل الخامس والعشرين من أيلول (سبتمبر) عام ألف وتسعمائة وثمانية وخمسين ([18]). وأما حول عدم خضوع الفلسطينيين لإشراف الأنروا فهناك روايتان متناقضتان، تبدي الرواية الأولى رفض العراق وضع اللاجئين الفلسطينيين تحت تصرف وكالة الغوث والتكفل بالإشراف الكامل على شؤونهم مقابل عدم دفع أي تبرعات نقدية للأنروا، أما الرواية الثانية وهي الرواية الرسمية العراقية فتقول بأن الأنروا رفضت وضع الفلسطينيين اللاجئين إلى العراق تحت إشرافها, نظراً لقلتهم من ناحية وبعدهم عن مناطق اللجوء من ناحية أخرى، فقد جاء في الوثيقة الصادرة عن وزارة الخارجية العراقية في آذار (مارس) عام ألف وتسعمائة وتسعة وأربعين (1949م): "هناك كتاب مرسل من وزارة الخارجية العراقية يتحدث عن اتصال القائم بالأعمال العراقي بمكتب وكيل الوسيط الدولي في بيروت الذي تمت إحالته على المستر ستانتن كرافس رئيس لجنة إسعاف المهجرين الفلسطينيين, وأطلعه على رغبة العراق في عقد اتفاق مماثل للذي عقد بين وزارة الخارجية اللبنانية والكونت برنادوت، فكان جواب المستر كرافس: لا ضرورة لعقد هذه الاتفاقية لأن موادها تختص بمساعدة الحكومة لنقل المواد الغذائية وتأمينها وإيصالها للاجئين, وأن إدارته لا تفكر في المستقبل القريب أو البعيد بإيصال أي مواد غذائية للاجئين في العراق، وذلك لقلة عددهم وأنه لا يرى ما يستدعي عقدها إلا في حالة إصرار الحكومة العراقية" ([19]).
v الواقع المعيشي للاجئين الفلسطينيين في العراق: سكن اللاجئون الفلسطينيون إلى العراق في الدوائر الحكومية التابعة لوزارة التعليم العالي وفي مباني الكليات, وتم تغير أماكن سكنهم بين المحافظات العراقية (البصرة، بابل، الموصل، ومنطقة أبو غريب) إلى أن تم جمعهم ثانيةً في مدينة بغداد، ويربط الكاتب عز الدين في كتابه (اللاجئون الفلسطينيون في العراق) بين تنقل الفلسطينيين في محافظات العراق وبين هجرة اليهود العراقيين منه مشيراً إلى هجرة حوالي مائة وثلاثين ألف يهودي عراقي في الفترة ما بين عامي ألف وتسعمائة وثمانية وأربعين (1948م) وألف وتسعمائة وخمسين (1950) "عند انتهاء معظم عملية (خروج) اليهود العراقيين عام ألف وتسعمائة وواحد وخمسين, إذ خلّف هـذا (الخروج) وراءه ولاسيما في بغداد أماكن شاغرة كبيرة بالإضافة إلى دور السكن الخاصة بهم ... وتمت عملية إسكان الفلسطينيين فيها في العامين ألف وتسعمائة وواحد وخمسين (1951م) وألف وتسعمائة واثنين وخمسين (1952)". كما سكنت حوالي ثمانمائة وثلاث وسبعين أسرة من اللاجئين في عدة ملاجئ تكاد تكون أشبه بالقبور لما تشترك معها من صفات انعدام الشمس والتهوية وضيق المكان، فقد أورد الكاتب طارق حمود في دراسة([20]) وصفيّة لأحوال اللاجئين الفلسطينيين في العراق نص رسالة وزير الشؤون الاجتماعية والعمل العراقي الأستاذ أحمد الحبوبي التي عبرت عن واقع حياة الفلسطينيين في تلك الفترة والتي جاء فيها: "قمت بزيارة للملاجئ التي يسكنها إخواننا الفلسطينيون فهالني ما رأيت, ولا أبالغ لو شبهتها بقبور يسكنها أحياء، فهي لا تختلف عنها من قريب أو بعيد فليس للشمس مكان فيها أو منفذ إليها, كما أن الهواء النقي مطرود منها، بناؤها قديم متآكل يتهدد أرواح ساكنيها فيعيشون في قلق دائم وخوف مقيم. إن الغرفة الواحدة التي طولها ثلاثة أمتار وربع وعرضها ثلاثة أمتار تسكنها أسرة يتراوح عدد أفرادها مابين سبع إلى اثنتي عشرة نسمة، وهي محل للطبخ ولغسيل الملابس والصحون والاستحمام والنوم والأكل وهي في الوقت نفسه ساحة للعب الأطفال، ولا يوجد حاجز أو فاصل بين أسرة وأخرى وفي هذا ما فيه من خطورة ومحاذير ومشاكل تنجم من اختلاط الفتيات بالفتيان, فضلا عما يتهدد الصحة من احتمال انتشار الأمراض والأوبئة, ولا سيما أن النظافة في أماكن كهذه تكاد تكون معدومة، إن المشكلة أكبر من أن توصف وكما يقول المثل: (ليس السامع كمن رأى)، إن الإنسان في هذه الأماكن يفقد آدميته وتستحيل حياته إلى ما يشبه حياة الحيوان، أقول ذلك وكلي ألم, وأنا موقن أن مجلسكم الموقر سيولي هذه المشكلة العناية اللازمة لإنقاذ هؤلاء المساكين من الحالة المزرية التي يعيشونها, وقد دب اليأس في نفوسهم وباتوا في ريب حتى من الأمل في إنقاذهم مما هم فيه فاستسلموا لليأس, ولا أكتمكم مدى المرارة التي رافقتني وأنا أرقب نظرات الأطفال والنساء والشيوخ وقد شحبت وجوههم وغاضت نضارتها وهي ترمقني بعتب محض ولسان حالهم يقول: (أهكذا يعيش العائدون؟!)". أما بقية للاجئين فقد توزع حوالي مائتين وسبعين أسرة منهم على خمسة وخمسين منزلاً أي بمعدل خمس أسر في المنزل الواحد، وتوزع الباقون على منازل شعبية في حي الحرية وحي السلام وتل محمد وحي الزعفرانية، إلى أن تم بناء العديد من الأبنية السكنية على نفقة الحكومة العراقية بين عامي ألف وتسعمائة وخمسين وألف وتسعمائة وخمسة وثمانين 1985 ـ 1950 في حي البلديات شرق بغداد ومنطقة الدورة ومجمع الخليج في حي الأمين والموصل والبصرة بالإضافة إلى استئجار الحكومة منازل لحوالي أربعمائة وأسرة واحدة. ([21])
v اللاجئون الفلسطينيون في ظل القوانين العراقية: صدرت عدة قوانين عن الحكومات العراقية المتعاقبة بشأن تنظيم الوجود الفلسطيني فيه, تراوحت بين التضييق عليه لدرجة الاختناق حيناً والتوسيع عليه لدرجة مساواته بالمواطن العراقي حيناً أخر. من أهم هذه القوانين نذكر([22]): · استثناء الفلسطينيين من قانون الإقامة رقم 64 لعام ألف وتسعمائة وثمانية وثلاثين 1938 شريطة حصولهم على هوية تصدر بمعرفة لجنة إدارة شؤون اللاجئين. · إصدار وثيقة سفر للفلسطينيين في العراق بناءً على القانون رقم 25 لعام ألف وتسعمائة وتسعة وخمسين 1959. · في عام ألف وتسعمائة وستين 1960، صدور القانون 102 القاضي بتشكيل جيش التحرير الفلسطيني في العراق. · في عام ألف وتسعمائة وأربعة وستين 1964، صدور القرار رقم 15108 عن وزارة المالية والذي يؤكد على قرار مجلس الوزراء العراقي معاملة اللاجئين الفلسطينيين معاملة المواطن العراقي من حيث استلام الرواتب والعلاوات السنوية ومخصصات غلاء المعيشة والإجازات بتطبيق قوانين أنظمة الخدمة عليهم. · في عام ألف وتسعمائة وتسعة وستين 1969 صدور القرار رقم 336 القاضي بمساواة الفلسطينيين بالعراقيين عند التعيين والترقية والتقاعد على أن يبقى مشروطاً بالانتهاء في حالة عودة الفلسطينيين إلى ديارهم وتطبيق أنظمة الخدمة عليهم. · في عام ألف وتسعمائة واثنين وسبعين 1972 صدور قرار خاص بإلغاء الفيزا والإقامة للمواطنين العرب ومنح اللاجئين الفلسطينيين إلى العراق وثائق السفر الخاصة بهم إذا لم تكن لديهم هذه الوثائق. · في عام ألف وتسعمائة وثمانين 1980 صدور القانون رقم 215 القاضي بالسماح للفلسطينيين المقيمين في العراق إقامة فعلية بالتملك العقاري. · في عام ألف وتسعمائة وسبعة وثمانين 1987 صدور القرار رقم 936 الذي لا يسمح للفلسطيني المقيم في العراق إقامة دائمة تملك أكثر من عقار أو قطعة أرض واحدة. · في عام ألف وتسعمائة وتسعة وثمانين 1989 صدور القرار رقم 469 القاضي بوقف العمل بالقوانين والقرارات التي تجيز تملك غير العراقي العقار أو استثمار أمواله في الشركات داخل العراق وكل ما من شأنه التملك والاستثمار في أي وجه كان. · في عام ألفين وواحد 2001 صدور القرار 202 القاضي بمساواة الفلسطيني المقيم في العراق إقامة دائمة بالعراقيين في جميع الحقوق والواجبات باستثناء الحق في الحصول على الجنسية العراقية. من خلال استقراء هذه القوانين نجد أن الخط البياني للفلسطينيين في العراق شكل تذبذباً واضحاً بين ارتفاع ٍلم يفرح به وانخفاضٍ أذاقه مرارة الجوع والفقر.
v أثر الاحتلال الأمريكي على الفلسطينيين في العراق: بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين في العراق عام ألفين وثلاثة 2003 بعيد الاحتلال الأمريكي ما بين خمسة وثلاثين إلى أربعين ألف فلسطيني، تعرض أكثرهم إلى عمليات تهجير قسري جديدة اتسمت باستهدافهم بالقتل والاختطاف والاعتقال والتعذيب حتى الموت, ومصادرة ممتلكاتهم من منازل وسيارات ومحالَّ تجارية, وقد اتبعت عدة أساليب لترهيب الفلسطينيين من خلال الاقتحامات والمداهمات والقصف للتجمعات الفلسطينية بالهاون والمدفعية أحيانا قام بها أحياناً جيش الاحتلال الأمريكي وأحياناً أخرى الفئات العراقية المتقاتلة. ولم تقف الأحداث عند هذا الحد فقد جرى الترويج وتجيير وسائل التحريض الإعلامي ضد الفلسطينيين, من خلال تشويه الحقائق وكيل التهم لهم بالمسؤولية عن عمليات قتل عراقيين وتفجيرات في مناطق في العراق, حيث عرضت عدة فضائيات عراقية مشاهد لفلسطينيين يعترفون تحت التعذيب بمسؤوليتهم عن تفجير في منطقة بغداد الجديدة من العام ألفين وستة 2006 الماضي الأمر الذي ثبت زيفه بعد براءة المتهمين. أدت هذه الأحداث الدامية بحق الفلسطينيين إلى هروب الآلاف منهم من بيوتهم وتوزعهم في عدد من الدول العربية ممن قبلت استضافتهم, أو ممن تمكنوا من الدخول بشكل غير قانوني بعد رفض هذه الدول لهم ولا سيما بعد تمنَُع الحكومة العراقية عن تجديد وثائق سفرهم, بالإضافة لأعداد من اللاجئين تمكنوا من الوصول إلى السويد وقبرص والبرازيل والهند وكندا والنرويج والصين ودول أمريكا اللاتينية, واليوم تقدر أعداد من تبقى في العراق قرابة خمسة عشر ألف لاجئ, وهذا العدد مرشح للانخفاض نتيجة لاستمرار هجرة الفلسطينيين بحثاً عن الأمان المفقود هناك؛ فقد سجلت عام ألفين وسبعة 2007 استشهاد خمسة وأربعين فلسطينياً في العراق مقابل استشهاد مائة وواحد وتهجير ألف ومائتين في عام ألفين وستة 2006 والجدول التالي يوضح عدد الذين استشهدوا من فلسطيني العراق منذ الاحتلال ولغاية عام ألفين وسبعة 2007 على يد الجماعات الطائفية ([23]).
"جدول يبين عدد الذين استشهدوا من فلسطيني العراق منذ الاحتلال ولغاية 2007م"
رابعاً: الخطط الصهيونية المقترحة لتوطين الفلسطينيين في العراق: v خطة جوشواه بوخميل* 1911: اقترح الداعية الروسي الصهيوني "جوشواه بوخميل" في عام 1911 مشروع ترحيل عرب فلسطين إلى شمال سورية والعراق، وكان ذلك أمام لجنة فلسطين التابعة للمؤتمر الصهيوني العاشر المنعقد في (بازل)، وقد تحول هذا الأمر إلى مطلب لقادة الحركة الصهيونية من الدول الأوروبية ولا سيما بريطانيا أثناء انعقاد مؤتمر الصلح في باريس عام ألف وتسعمائة وتسعة عشر 1919([24]).
v خطة وايزمن 1930: رأى وايزمن أن الحل الجذري لمسألة الأرض والمشكلة الديموغرافية العربية معاً يكمن في ترحيل العرب إلى شرق الأردن والعراق، لما تتمتع به هذه البلاد من مساحات شاسعة تفسح مجال العمل للعرب فيها.
v خطة إدورد نورمان** (1934 ـ 1948): تعد خطة نورمان الأكبر من حيث الإعداد لها والعمل من أجل تنفيذها؛ فهي تعتمد على افتراضات خاطئة وضعها نورمان ظناً منه أنها تشكل الحل المناسب لجميع أطراف النزاع، فالعراق برأيه بلد عربي يتمتع بمساحات شاسعة وخصبة إلا أنه قليل عدد السكان؛ الأمر الذي يجعله بحاجة إلى استقدام العمالة الخارجية لدعم قوته الداخلية والسياسية والاقتصادية, وبالتالي فإن ترحيل الفلسطينيين إليه وتوطينهم فيه سوف يشكل حلاً لأحد أهم عوائق التنمية وفي الوقت نفسه سيسمح للهجرة اليهودية والاستيطان بالمضي قدماً، فالطبيعة البدوية للفلسطينيين تجعلهم غير متمسكين بالأرض لأنه ليس ثمة فارق بين فلسطين والعراق أو أي بلد عربي آخر. وجدولَ نورمان الإجراءات التنفيذية لخطته في عدة مراحل، فالمرحلة الأولى يجب أن تتضمن مناقشة بدء الترحيل مطولاً وبشكل سري وبمنظور اقتصادي؛ تناقشها الأوساط النافذة على الشعب اليهودي، ثم يتم الانتقال إلى المرحلة الثانية والتي تتطلب تأسيس نقابة أو منظمة من الخبراء الذين لديهم المال الكافي لدعم هذا المشروع، ثم تتلوها عدة مراحل أخرى كوضع خطة تربوية تظهر فيها ميزات العراق من حيث التربة والمناخ, والأصالة العربية تجعل الفلسطينيين يتقبلون فكرة الانتقال إلى العراق، بالإضافة إلى التزيين الإعلامي للمشروع وإرسال فريق متخصص ـ وبشكل سري وغير مباشر ـ إلى العراق وفلسطين لتقويم الظروف السائدة هناك, ومن ثَمَّ البدء بتقديم المبادرات في اتجاه الحكومتين البريطانية والعراقية من أجل الحصول على تعاونهما. ولم يُغفل نورمان في خطته ما سيترتب على الحكومة العراقية في حال موافقتها على المشروع من وجوب منح الأراضي للمرحلين الفلسطينيين والمسارعة بنقل ملكيتها إليهم وتسهيل دخولهم دون جوازات سفر أو تأشيرات دخول أو رسوم ومنحهم الجنسية العراقية خلال عام واحد من السكن في العراق ([25]).
v مذكرة بن غوريون (كانون الأول 1937): تقدم دافيد بن غوريون في إطار المشروع الترحيلي الصهيوني للفلسطينيين بمذكرة بعث بها إلى المجتمعين في لجنة العمال الصهيونية المنعقد في بريطانيا جاء فيها: "ستعرض على العراق عشرة ملايين جنيه فلسطيني في مقابل إعادة توطين مائة ألف أسرة عربية من فلسطين في العراق....". وكان بن غوريون من دعاة التهجير القسري؛ لأنه يرى أن من المستحيل تخيل ذلك دون القسر فلا يمكن تصور قبول الفلاحين الفلسطينيين للرحيل الطوعي مهما تكن الإغراءات المالية، لذلك لا بد من اللجوء إلى التهجير القسري مستشهداً بما حصل للأتراك واليونانيين إبان الحرب العالمية الأولى ([26]).
v خطة بن ـ حورين* (1943 ـ 1948): انطلق بن ـ حورين في خطته من أفكار نورمان الداعية إلى ترحيل الفلسطينيين إلى العراق فكتب في ذلك: "أقترح ترحيل عرب فلسطين وشرق الأردن إلى العراق أو إلى دولة عراقية سورية موحدة ...". وشدّد على ضرورة تزامن ترحيل الفلسطينيين إلى العراق مع ترحيل يهود العراق وسورية واليمن إلى فلسطين، ونبه إلى أن هذا المشروع لا يمكن له أن يتم إلا بالحصول على دعم من الدول العظمى ([27]). وفي السياق نفسه قام الصهاينة بتقديم خطة لترحيل الفلسطينيين إلى العراق إلى ممثل الرئيس الأمريكي "روزفلت" الشخصي الجنرال "باترك هرلي" حين زار فلسطين عام ألف وتسعمائة وثلاثة وأربعين 1943، حيث جاء في تقرير الجنرال أن قيادة (الييشوف) عازمة على إنشاء دولة يهودية تضم فلسطين بأسرها وشرق الأردن، وعلى فرض ترحيل السكان العرب إلى العراق بالقوة. وتشير المعطيات أن باراك سعى بالتعاون مع إدارة كلينتون إلى إحياء مشروع بن غوريون وإدخاله في خطة إعادة تأهيل العراق وفك الحصار عنه مقابل استقبال مليوني لاجئ فلسطيني يعد حلاً إنسانياً، وكان نتنياهو قد طرح فكرة إحياء مشروع بن غوريون الذي يجعل من العراق الوطن البديل للاجئين.
خامساً: الموقف البريطاني والأمريكي من ترحيل الفلسطينيين
إلى العراق:
v مرحلة ما قبل
الاحتلال:
v مرحلة
الاحتلال الأمريكي للعراق:
ـ انتهى ـ ___________________________________________________________________________________________________
تجمع العودة الفلسطيني
ـ واجب
|
|||||||||||||||
| < السابق | التالى > |
|---|