|
الأولوية لسكان المخيمات وليس للفلسطينيين خارجها |
|
|
|
HTML clipboard
الأولوية
لسكان المخيمات وليس للفلسطينيين خارجها
| بقلم:
السفير عبدالله بو حبيب (مدير مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية)،
وميشال أبو نجم (أمين المركز). |
إنَّ النقاش الدائر في لبنان
حول مطالب اللاجئين الفلسطينيين فيه لا تنفذ إلى جوهر المشاكل الأساسية للاجئين
الفلسطينيين في لبنان. فمعظم مشاريع القوانين والإقتراحات والأفكار المتعلقة بإعطاء
التسهيلات اللازمة للاجئين الفلسطينيين في لبنان والتي يتمُّ بحثها حالياً في مجلسي
النواب والوزراء واجتماعات التكتلات والأحزاب والقوى السياسية وحتى في الصالونات
الإجتماعية، لا تعالج أحد أهم مصادر عدم الإستقرار في لبنان والذي يتعلقُ بأوضاع
سكان المخيمات الفلسطينية وحاجاتهم الملحّة، إنما تتطرق إلى مطالب تهمُّ أولاً
اللاجئين القاطنين خارج هذه المخيمات.
HTML clipboard
إنَّ "حقوق" التملك والعمل
وتقديمات الضمان الإجتماعي، وهي من أهم عناوين البحث حالياً، ليست من أولويات سكان
المخيمات، على الرغمِ من أنَّ تحقيقها يسهّل أوضاع اللاجئين عامةً وأولئك الساكنين
خارج المخيمات خاصةً. فسكان المخيمات الرازحون تحت وطأة ظروفهم الإنسانية القاسية،
ليست لديهم الموارد الماليّة الكافية لتملَّكَ شقةٍ سكنية، واليد العاملة الكادحة
في المخيمات هي بمعظمها تعمل في مجالات الزراعة والبناء والحرف الصغيرة والأشغال
اليومية ولا تملك القدرات العلمية والمهنية والتقنية التي تؤهلها للعمل في شركات
ومؤسسات مندرجة في نظام الضمان الإجتماعي لتستفيد من تقديماته المختلفة. كذلك فإنَّ
القليل القليل من الفلسطينيين داخل المخيمات في حاجة إلى جواز سفر للتنقل من لبنان
والعودة إليه، ولو أن هذا المطلب حقٌ لهم ويساهم في تصحيح وضعهم القانوني.
إنَّ معظم سكان المخيمات الفلسطينية يعانون من ظروف بالغة السوء تستدعي تسليط الضوء
عليها والشروع في معالجتها، لأنَّ التركيز الحصري على العناوين المطروحة حالياً
ينسينا الأولويات الإنسانية الملحة والعاجلة للاجئين ويصرفنا عن التركيز على اهم
مصادر عدم الإستقرار في لبنان.
إن الأوضاع الإجتماعية والإقتصادية في المخيمات الفلسطينية مزرية للغاية على كل
صعيد. فالبنية التحتية في حالٍ سيئة جداً، والأوضاع الصحية تبقى الأشد سوءاً بسبب
المقومات الصحية الناقصة والأوضاع الحياتية السيئة. وتشير الإحصاءات إلى أن أكثر
الأولاد ممن هم دون سن الخامسة يعانون من الأمراض. وتشهد المخيمات نسبة كثافة
سكانية مرتفعة، يندرج معظمها دون الحدِّ الأدنى للفقر. كذلك تسود البطالة وما
يستتبعها من انحرافات اجتماعية وسلوكية خاصة لدى الشبان والأحداث، في ظلِّ تدني
مستوى التعليم وقلة عدد المعلمين والمدارس. وهذا الواقع يخلق اليأس والإحباط ويجعل
من المخيمات الفلسطينية قنابل موقوتة قابلة للإنفجار في أي لحظة، وأرضاً خصبة
لتنامي العنف والتطرف والحركات التكفيرية.
ويشكَّل الواقع الأمني للمخيمات أولوية للمعالجة، إذ أن انتشار السلاح في المخيمات
وفي بعض المواقع خارجها، إضافة إلى وجود منظمات متطرفة ومسلحة وخاصة التكفيرية منها،
خلق قلقاً كبيراً ومتنامياً لدى اللبنانيين. ولقد شكَّلت بعض المخيمات مكاناً
مناسباً للجوء الفارين من العدالة والمتورطين في عملياتٍ إرهابية واشتباكاتٍ مع
القوى المسلحة الشرعية، مما عزز من النظرة إلى كل المخيمات كبؤرٍ أمنية تحوي عوامل
للتفجير، وبخاصة بعد حرب نهر البارد التي اعتبرت أحد أبرز الأمثلة على المآسي التي
يمكن أن تخلِّفَها حالُ الفوضى في المخيمات على اللبنانيين والفلسطينيين على حدٍ
سواء.
من هنا فإنَّ بداية معالجة ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان يجب أن تنطلقَ من
ضرورة البحث الهادئ والهادف والملح للأوضاع الإنسانية البائسة التي يعيشها اللاجئون
داخل المخيمات، وعلى الأقل التوازي في بحث حاجات اللاجئين الفلسطينيين داخل
المخيمات ومطالبهم وأولوياتهم والمطالب العامة التي تهم جميع الفلسطينيين أكانوا
خارج المخيمات أم داخلها.
وقد خلُصَت المقترحات التي خرج بها مؤتمر "المخيمات الفلسطينية في لبنان" الذي نظمه
"مركز عصام فارس للشؤون اللبنانية" في تشرين الثاني 2009 إلى أن أولوية تحسين أوضاع
المخيمات الفلسطينية في لبنان تتطلب ضرورة وضع "خطة إنقاذ" عاجلة، تهدف إلى العمل
على تحويل المخيمات من "غيتوات" منعزلة عن المجتمع اللبناني وبؤر يلفُها البؤس
وينمو فيها الارهاب والتنظيمات الاصولية وتكثرُ فيها الأعمال المخلّة بالأمن إلى
مساحات للحياة الكريمة والإنسانية. وهذا يقتضي إنهاء الوضعَ الإنساني المزري في
المخيمات على الصعد الإجتماعية والصحية والتربوية، والعمل على إعادة تأهيل بنيتها
التحتية والتركيز على معالجة الأوضاع الإجتماعية فيها، على أن يشمل ذلك شبكات
المياه والكهرباء والصرف الصحي والمدارس والمستوصفات وغيرها من مستلزمات العيش
الكريم. وإضافةً إلى ذلك، يمكن المبادرة إلى تأهيل كادرات فلسطينية وتدريبها لتلبية
حاجات سكان المخيمات في الحقول التربوية والصحية والإقتصادية والخدماتية المختلفة.
وفي الملف الأمني، يجب إيجاد حل عاجل للسلاح داخل المخيمات وأن تكون تحت سلطة
الدولة اللبنانية، فما من أمٍ فلسطينية يمكنها أن تسعدَ برؤية ولدها خارج مقاعد
التعليم ليلتحق بمنظمات مسلحة، جهادية أو تكفيرية أو حتى بتلك التي تحمل شعارات
وطنية! إنَّ التركيز الدائم على نزع السلاح خارج المخيمات ووجود قوى فلسطينية فاعلة
داخلها تنضوي تحت لواء السلطة الفلسطينية وتنسق في بعض الأحيان مع الجهات اللبنانية
المختصة يجب ألا يقودا إلى التغاضي عن معالجة مسألة السلاح داخل المخيمات أو
التقليل من أهميتها، خاصة في ظل التنظيمات الإرهابية التي تنمو كالفطر داخل
المخيمات وحصول نزاعات فلسطينية داخلية يرتبط بعضها بصراعات النفوذ الفلسطينية
والإقليمية والعربية. بكلامٍ آخر، من المفضل أن يعالج الوضع الأمني للمخيمات من دون
اعتباراتٍ طائفية ومذهبية وسياسية كما حصل في السبعينات، وبأسلوب يخدم المصالح
اللبنانية والفلسطينية. ومن البديهي القول إن معالجة مسألة السلاح خارج المخيمات
وداخلها يجب أن يسبقها تشكيل مرجعية فلسطينية واحدة درءاً للفوضى التي يخلقها تعدد
الفصائل الفلسطينية وتنوع ارتباطاتها اللبنانية والإقليمية.
إن تنفيذ الشق الأمني من المقترحات يقع على عاتق الدولة اللبنانية بالتعاون مع
السلطة والفصائل الفلسطينية. أما بيت القصيد، أي مسؤولية خطة الإنقاذ الإنمائية
المطلوبة لتحسين الظروف الإنسانية والإجتماعية للفلسطينيين داخل المخيمات
الفلسطينية في لبنان، فهي التي تقتضي التوضيح وتكثيف الجهود اللبنانية من أجل وضع
المجتمع الدولي أمام مسؤولياته وواجباته وعدم التهرب من الإلتزامات المفروضة عليه
وتحميلها للبلد المضيف.
إنَّ خطة الإنقاذ يجب أن تنفِّذها في الدرجة الأولى منظمة "الأونروا" بمساعدة
المؤسسات الدولية المعنية باعتبارها المسؤولة عن شؤون المخيمات الفلسطينية في لبنان،
بالتعاون مع الدولة اللبنانية والسلطة والمنظمات الفلسطينية. ومسؤولية "الأونروا"
عن خطة الإنقاذ تقترن أيضاً بمسؤولية الدول الغربية والعربية الفاعلة المعنية بملف
المخيمات الفلسطينية في لبنان. من هنا أهمية الإعداد لمؤتمر دولي تشارك فيه هذه
الدول، للنظر في خطة الإنقاذ الإنمائية التي تقترحها "الأونروا" والمساهمة في
بلورتها بصورة نهائية وجمع الأموال اللازمة لتنفيذها.
على أن التصريحات التي يطلقها مسؤولون في "الأونروا" وقيادات لبنانية عن الحصة
الضئيلة للاجئي لبنان في موازنة "الأونروا"، 70 مليون دولار من أصل خمسمئة مليون،
إضافةً إلى التخوف من تخفيض هذه الموازنة واستجداء "الأونروا" في كل عام الدول
المانحة لتسديد حصتها، تثير الشكوك والهواجس اللبنانية من تهرّب المجتمع الدولي من
مسؤولياته. هذا الوضع يجب أن يدفع إلى التمسك والتذكير بمسؤولية المجتمع الدولي
و"الأونروا" عن تحسين أوضاع الفلسطينيين، لا الموافقة على هذا الواقع السلبي
للبنانيين والفلسطينيين على السواء.
فتذكيرُ المجتمع الدولي بمسؤولياته، وأيضاً منظمات المجتمع المدني الدولية التي
تكيل للبنان الإتهامات في المحافل الدولية المهتمة بأوضاع اللاجئين الفلسطينيين في
لبنان، ليس ترفاً لبنانياً أو تنصلاً من المسؤوليات التي يمكن لبنان أن يقوم بها،
بل يستند إلى التمسك بموجبات القانون الدولي وبشرعية الأمم المتحدة المسؤولة أولاً
عن إنشاء دولة إسرائيل وتقسيم فلسطين التاريخية بموجب القرار رقم 181 الصادر عام
1947، وثانياً مسؤوليتها في رعاية اللاجئين الفلسطينيين بموجب القرار رقم 194 في
العام 1948 وقرار تأسيس وكالة "الأونروا" رقم 302 لعام 1949 الذي كلَّفها غوث
اللاجئين وتشغيلهم.
في هذا الإطار، على المسؤولين اللبنانيين والقوى السياسية على تنوعها ألا ينجرفوا
في خطط المجتمع الدولي، الرسمي والمدني، للتنصل من مسؤولياته عن اللاجئين
الفلسطينيين في لبنان ورمي هذه المسؤولية على البلد الصغير الذي لم يعد بإمكانه
تحمل وزر استمرار الصراع العربي الإسرائيلي على أرضه وعلى حساب وجوده وهويته وكيانه
وتوازناته. إنَّ الإصرار على مسؤولية "الأونروا" والمجتمع الدولي وخاصةً الدول
الغربية والعربية القادرة على المساهمة في تحسين أوضاع الفلسطينيين في لبنان،
والتركيز حصراً على منح الفلسطينيين داخل المخيمات تسهيلات لوضعهم البائس يجب أن
يكون محورياً في الخطاب السياسي اللبناني بعد كل الأثمان التي دفعها لبنان ويدفعها
بسبب السعي لحل الصراع العربي الإسرائيلي وإمرار الحلول الشرق أوسطية على حسابه.
وهنا، ينبغي النظر بإيجابية إلى تصريحات عدد من المسؤولين والقيادات والقوى
اللبنانية التي شددت على مسؤولية المجتمع الدولي و"الأونروا" في معالجة ملف
المخيمات الفلسطينية، وإلى خطوة رئيس لجنة الإدارة والعدل النيابية الأستاذ روبير
غانم الذي طلب حضور مسؤولين دوليين وسفراء الدول المعنية جلسة لمناقشة ملف مطالب
اللاجئين الفلسطينيين، في إطار وضع الدول المعنية أمام مسؤولياتها في حل معضلة
المخيمات الفلسطينية في لبنان.
إنَّ معالجة وضع المخيمات الفلسطينية البائس في لبنان بما يحافظ على الهوية
الفلسطينية، وبالتوازي مع مصلحة لبنان وقضيته الرئيسة في منع تصفية الصراع العربي
الإسرائيلي على أرضه، هي في الأساس مسؤولية المجتمع الدولي والعربي، وعلى لبنان أن
يعمل جاهداً لحمل الدول الكبرى والعربية المعنية على تحمل مسؤولياتها وتنفيذ وعودها.
إنَّ الأعباء المترتبة على تداعيات الصراع العربي الإسرائيلي تفوق بكثير قدرة لبنان
على التحمل وتؤدي إلى سحقه تحت وطأتها. من هنا أهمية المواظبة على طرح الأفكار
والإقتراحات نفسها من أجل ترسيخها في النقاش والتداول، على أمل أن ينجح الحوار
الدائر حالياً بين الأطراف اللبنانية المختلفة في التوصل إلى صيغٍ عمَليّة وفق
أولويات الحاجات الفلسطينية واللبنانية.
المصدر: النهار، بيروت، 28/7/2010
|