يوماً على النكبة وللعودة أقرب...
الصفحة الرئيسيةمن نحنالبحثاتصل بنا
الصفحة الرئيسية arrow مقالات وآراء arrow خطة شيطانية لتصفية القضية!
خطة شيطانية لتصفية القضية! طباعة ارسال لصديق
HTML clipboard

خطة شيطانية لتصفية القضية!

بقلم: د. وحيد عبد المجيد

image645.jpg

ربما تبدو "خطة الانفصال الثانية"، للوهلة الأولى، شطحة من شطحات خيال سياسي بعيد عن الواقع. غير أن الفراغ الناجم عن انسداد أفق التسوية السلمية للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي يمكن أن يجعل المسافة بين الواقع وبعض الخيال السياسي قريبة، وخصوصاً في ظل تكريس الانقسام الذي يزيد المسافة كل يوم بين قطاع غزة والضفة الغربية.
وليست تلك الخطة، التي تهدف إلى تخليص إسرائيل من مسؤوليتها عن قطاع غزة في مقابل إقرار ضمني بحكم حركة "حماس" فيه، إلا فكرة شيطانية جديدة تستثمر وضعاً يزداد تعقيداً في غياب تسوية بين الأعداء ومصالحة بين الأشقاء.

HTML clipboard

فالمعطيات الراهنة تفيد أن حلاً نهائياً للصراع الفلسطيني- الإسرائيلي بات أكثر صعوبة من أي وقت مضى منذ مؤتمر مدريد 1991 ليس بسبب توجهات حكومة بنيامين نتنياهو الحالية وتوازناتها الدقيقة فقط، ولكن أيضاً لأن المجتمع الذي سيختار الحكومات القادمة يزداد انعطافاً نحو "اليمين" الأكثر تشدداً. كما تدل هذه المعطيات على أن المصالحة الفلسطينية باتت بدورها صعبة، وربما مستحيلة، إلى حد أن الوسيط المصري فقد الأمل في إمكان تحقيقها في المدى المنظور.
وانطلاقاً من هذه المعطيات، التي تتحكم فيها إسرائيل من ناحية وحركة "حماس" من الناحية الثانية، يراهن أفيجدور ليبرمان عبر خطته الجديدة على صفقة ضمنية تحقق لكل منهما هدفاً كبيراً.
فإسرائيل، التي كان قطاع غزة هو مصدر أكبر إزعاج لها منذ 1948، وليس منذ احتلالها عام 1967 فقط، تريد صيغة تحررها من مسؤوليتها القانونية عنه بعد أن أظهرت مصر تصميماً على مقاومة محاولات إلقاء هذه المسؤولية عليها. أما حركة "حماس"، التي راهنت على إمكان التحصن في قطاع غزة بعد أن سيطرت عليه عام 2007، فهي تتطلع إلى أية صيغة لتكريس هذه السيطرة بعد أن عجزت عن تأمين أي اعتراف بها على مدى ثلاث سنوات.
غير أن تداعيات "خطة الانفصال الثانية"، التي تحمل هذا الاسم في إشارة إلى أنها تكمل ما حققته خطة آرييل شارون التي أدت إلى سحب القوات والمستوطنين من القطاع عام 2005، ستكون أبعد من ذلك بكثير.
فالخطة الجديدة لا يمكن الشروع فيها من طرف واحد، بخلاف خطة شارون التي كان سهلاً تنفيذها بغض النظر عن موقف الفلسطينيين سلطة وفصائل ومجتمعا.
ولا يعني ذلك أن الخطة الجديدة تستلزم اتفاقاً أو نوعاً من التعاقد المباشر. ولكنها لن تكون ممكنة، حتى بافتراض قبولها دولياً، من دون موافقة ضمنية من حركة "حماس" التي تستطيع إحباطها منذ اللحظة الأولى إذا شاءت.
ولذلك حرص "ليبرمان" على تعزيز فرص قبول "حماس" هذه الخطة عبر تقديم إغراءات لها. وتبدو هذه الإغراءات، فيما بات معلوماً من تفاصيل الخطة، كبيرة إلى حد أنها يمكن أن تجعل قطاع غزة كياناً شبه مستقل. فهي تتضمن رفع الضغوط التي تتعرض لها حركة "حماس" ومساعدتها في توفير الحاجات الأساسية لسكان القطاع وتحسين مستوى الحياة فيه عبر وسائل منها، إقامة محطة مستقلة لتوليد الكهرباء ومفاعل لتحلية مياه البحر وآخر لتطهير مياه الصرف الصحي، فضلاً عن إقامة مشاريع سكنية. أما الإغراء الأكبر فهو استئناف مشروع بناء ميناء في قطاع غزة، ولكن بشرط إيجاد ترتيب لفحص ما تحمله السفن القادمة إليه في ميناء آخر في قبرص أو اليونان، إضافة إلى نشر قوات دولية فيه لضمان عدم وصول أسلحة إلى القطاع.
ومن الطبيعي أن إسرائيل لا تقدم كل ذلك في مقابل إعفائها- دوليا- من مسؤوليتها القانونية عن قطاع غزة فقط بالرغم من أهميته بالنسبة إليها. فهذا "الكرم" الزائد عن الحد مشروط باستدامة الهدوء الحالي على الحدود بينها وبين قطاع غزة، والتزام "حماس" بجعله سياسة دائمة.
ولكن الأكثر أهمية من كل ذلك، والمسكوت عنه في "خطة الانفصال الثانية"، هو تكريس الانقسام الفلسطيني بشكل نهائي على نحو يؤدي إلى تصفية القضية التي ستظل شرعية إسرائيل ناقصة دولية ومستحيلة إقليميا ما بقيت حية.
ولم يترك ليبرمان ومعاونوه في إعداد "خطة الانفصال الثانية" هذا الهدف رهناً للتطور الطبيعي الذي يفترض أن يحدث في اتجاه تكريس نهائي للانقسام حال تمكين "حماس" من تدعيم سيطرتها على قطاع غزة وتوفير اعتراف ضمني بها من المجتمع الدولي. فضماناً لتحقيق هذا الهدف، تشمل الخطة ما يفيد غلق الحدود تماما بين إسرائيل وقطاع غزة، وبالتالي إلغاء المعابر بين هذا القطاع والضفة الغربية، بحيث يصعب على الفلسطينيين الانتقال براً بين المنطقتين اللتين يفترض أن تقام بينهما دولتهم المستقلة. وليست هناك وصفة لتصفية قضية فلسطين أكثر يسراً وسرعة من هذه الترتيبات.
وهذا هو جوهر "خطة الانفصال الثانية"، التي تهدف إلى تحقيق ما فشلت الترسانة العسكرية الإسرائيلية المدججة في إنجازه طول عقود الصراع.
ويزداد خطر هذه الخطة، وهي أصلا خطيرة بما يكفي، إذا استثمرت إسرائيل القلق الذي لابد أن تحدثه في أوساط السلطة الفلسطينية في رام الله وطرحت عليها صيغة أفضل نسبياً من ذي قبل لما يسمى دولة ذات حدود مؤقتة. وفي إمكانها أن تلجأ في ذلك إلى خبرة طويلة اكتسبها مفاوضوها في مجال التلاعب بالمسارات التفاوضية العربية، وخصوصا المساران الفلسطيني والسوري.
فهي تستطيع اليوم استخدام هذه الخبرة في التلاعب بالطرفين الفلسطينيين اللذين صار كل منهما للآخر عدواً، سعياً إلى تكريس "استقلال" كل منهما عن الآخر واستبدال إمارة في غزة ودويلة في الضفة بالدولة المستقلة التي كان مفترضا أن تجمع المنطقتين معاً.
وخطة هذا خطرها تستلزم مواجهتها تحركاً عربياً مبكراً يبدأ بشكل فوري لتنبيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والقوى الكبرى الأخرى إلى فداحة الآثار التي يمكن أن تترتب عليها. فلا ينبغي الانتظار إلى أن تتبناها الحكومة الإسرائيلية رسميا، أو الرهان على تباين المواقف تجاهها بين بعض أطراف هذه الحكومة، وخصوصاً بعد أن عبر زعيم حزب "العمل" ووزير الدفاع ايهود باراك عن اعتقاده في أنها "قد تتضمن جوانب إيجابية".
فقد بدا باراك في حديثه عنها، ضمن مقابلة مع الإذاعة العسكرية الإسرائيلية يوم 21 يوليو الجاري، قريباً من منطق "ليبرمان" في تبرير خطة تدعم هيمنة "حماس" على غزة عندما قال ما معناه إن محاولات إضعاف هذه الحركة لم تنجح.
وليس صعباً، في الواقع، إقناع المجتمع الدولي بأن مساعدة إسرائيل على الإفلات من مسؤوليتها خطأ، وأن معاونتها في الهرب من الاستحقاق السلمي خطيئة، وأن استبدال كيانين هشين تنقصهما السيادة بالدولة الفلسطينية المستقلة سيكون بداية مرحلة جديدة أكثر تعقيداً في صراع ممتد، وليست نهاية لهذا الصراع. ولكن المهم هو أن يبدأ تحرك عربي في هذا الاتجاه اليوم، وليس غداً.

المصدر: الاتحاد، أبو ظبي، 28/7/2010

 

 
< السابق   التالى >