يوماً على النكبة وللعودة أقرب...
الصفحة الرئيسيةمن نحنالبحثاتصل بنا
الصفحة الرئيسية arrow مقالات وآراء arrow من يساعد في تهويد فلسطين؟
من يساعد في تهويد فلسطين؟ طباعة ارسال لصديق
HTML clipboard

من يساعد في تهويد فلسطين؟

بقلم: نقولا ناصر

image727.jpg

تقوم برامج المساعدات الأميركية USAID بفعالية باستثناء القدس الشرقية من برامجها. وتذكر أوراقها الخضراء وتقاريرها وتصريحاتها الرسمية الأخرى بشكل متكرر "الضفة الغربية وغزة" باعتبارها وجهات لنشاطاتها. لكن فيها إشارات نادرة جداً إلى القدس الشرقية.
ترجمة عبد الرحمن الحسيني: منذ العام 1860، عندما وهب الثري الأميركي اليهودي يوداه تورو مبلغ 60.000 دولار -وهي ثروة في ذلك الوقت- لإنشاء أول مستوطنة يهودية خارج أسوار البلدة القديمة من القدس، كان ذلك إيذانا بمد يد المساعدة من الصناديق الأميركية العامة والخاصة على حد سواء لخلق إسرائيل وتوسعها في الأراضي. وتقف إسرائيل اليوم في رأس قائمة متلقي المساعدة الأميركية. ووفق الورقة الخضراء لوكالة المساعدات الأميركية USAID، تلقت إسرائيل بين العامين 1946 و2008 مساعدات أكثر مما تلقته روسيا والهند ومصر والعراق. وفي حقيقة الأمر، صبت الولايات المتحدة المزيد من الأموال في إسرائيل أكثر مما أنفقته في خطة مارشال لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية.

HTML clipboard

ومع ذلك، تقرير حديث ظهر في صحيفة "نيويورك تايمز"ألقى بعداً جديداً على القصة. ففي 5 تموز (يوليو) الحالي، أوردت التايمز أن 40 جماعة أميركية جمعت خلال العقد الماضي أكثر من 200 مليون دولار، على شكل هدايا تخصم قيمتها من الضريبة، وتم إرسالها إلى مستوطنات يهودية في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلين، مشيرة إلى أن الخزينة الأميركية تساعد من ناحية فعلية، لا بل وتشجع على توسيع المستوطنات غير الشرعية وتهويد القدس.
وفيما اشتكت صحيفة "نيويورك تايمز" من المفارقة المتمثلة في الطريقة التي يعمل بها ذراع حكومي أميركي على تسهيل تحويل أموال خاصة إلى نشاطات وأهداف تخالف السياسة الأميركية الرسمية، وعلى نفس القدر من المغزى الذي ينطوي عليه ذلك، فشل المقال في ذكر أن مبلغ "الهبات" المستثناة من الضريبة يظل قليلاً مقارنة مع الأموال العامة التي تصبها واشنطن "بشكل ثابت" في المشروع الصهيوني. فعلى سبيل المثال، خصصت الموازنة الفيدرالية الأميركية للعام 2011 مبلغ 3 بلايين دولار على شكل مساعدات لإسرائيل، أو ما يعادل 42 % من إجمالي المساعدات المخصصة لما يدعى الشرق الأدنى لذلك العام.
كما من الجدير بالانتباه ملاحظة أن سياسة وكالة المساعدات الأميركية USAID، وهي ذراع وزارة الخارجية الذي تستخدمه لتحقيق الغايات الأميركية في ما وراء البحار، تتضارب مع مواقف واشنطن الرسمية. إذ تعمل برامج USAID الخاصة بالفلسطينيين على استثناء القدس الشرقية. وفي حين تذكر أوراقها الخضراء وغيرها من التقارير والبيانات الرسمية، وعلى نحو منتظم "الضفة الغربية وغزة" كعناوين لنشاطاتها، فإنها نادراً ما تشير إلى القدس الشرقية. ويبدو الأمر وكأن القدس الشرقية لا تشكل بالنسبة لوكالة المساعدات الأميركية جزءا لا يتجزأ من الأراضي المحتلة، على الرغم من اقرار واشنطن الرسمي بأنها كذلك، وعلى الرغم من شمولها القدس الشرقية في عداد موضوعات الوضع النهائي في عملية السلام التي ترعاها أميركا بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل التي تعتبر سلطات الاحتلال. ولا يستطيع المرء في هذا السياق سوى الشك في وكالة المساعدات الأميركية USAID – ومن ورائها وزارة الخارجية الأميركية- باعتبارها متواطئة في عملية خداع محسوبة من خلال حذفها المتعمد والممنهج للقدس الشرقية من برامجها ووثائقها.
إلى ذلك، أعرب مسؤولو السلطة الفلسطينية في رام الله عن غضبهم من إلغاء الضريبة على الهبات الأميركية الخاصة لتمويل التوسع الاستيطاني اليهودي في الأراضي المحتلة. لكن المرء يشك بأن هذه العاطفة كانت موجهة بشكل رئيسي للاستهلاك المحلي، لأنهم سارعوا بالتأكيد على أن الفلسطينيين لم يكونوا غير ممتنين للولايات المتحدة، وحثوا وكالة المساعدات الأميركية على مواصلة جهودها. وقالت وكالة ترويج الاستثمار الفلسطيني في موقعها الإلكتروني في أيار (مايو) الماضي: "إن الولايات المتحدة هي الممول الرئيسي للمساعدات الاقتصادية والتنموية الثنائية للشعب الفلسطيني، حيث قدمت أكثر من 2.9 بليون دولار منذ العام 1994. وأضافت "إن الولايات المتحدة تساعد في تسهيل حركة الناس والسلع الفلسطينية، بينما تحسن أمن إسرائيل"، وكأنها وغيرها من هيئات السلطة الفلسطينية كانت مشتتة الانتباه بعض الشيء عن "جهود" وكالة المساعدات الأميركية والسياسات التي تساعد في تنفيذها. وكانت وكالة المساعدات الأميركية قد خصصت مبلغ 550.4 مليون دولار للسلطة الفلسطينية في موازنتها للعام المقبل، وتعتمد مواصلة هذه المساعدة على استمرار الخلافات الفلسطينية بين فتح وحماس، كما وعلى استمرار الحصار. ولم يتم تخصيص أي شيء للقدس الشرقية، بينما سيتم إنفاق جل الأموال على "مكافحة المخدرات وتعزيز القانون والبرامج الأمنية".
وعلى الرغم من ذلك، تظل الإشارة إلى "تسهيل الحركة" موضع شك أكبر، وتتطلب المزيد من التوضيح في ضوء الدور الذي تلعبه هذه المساعدات في تعزيز الاحتلال وتخندق المستوطنات اليهودية في الأراضي المحتلة، وتعزيز تهويد القدس الشرقية. وقد أخفقت الإدارات الأميركية المتعاقبة والزيادات المكوكية لمبعوثيها ومراسليها في رفع الحواجز العسكرية التي تفرضها إسرائيل في الضفة الغربية وحول القدس، وفي فتح "ممر آمن" بين الضفة الغربية وغزة، أو في فتح نقاط العبور إلى غزة حتى لمرور المساعدات الانسانية، لكنهم نجحوا ببراعة في شق طرق "بديلة". وهذه هي الطرقات الالتفافية التي خططت لها سلطات الاحتلال لربط المستوطنات اليهودية التي باتت تحتل في الوقت الحالي 42 % من مساحة الضفة الغربية، والتي لا تشتمل على المنطقة المحتلة التي ضمتها إسرائيل إلى بلدية القدس، طبقا لمركز حقوق الانسان الإسرائيلي "بتسليم". وتقوم الطرقات الالتفافية بتقسيم باقي الضفة الغربية إلى كانتونات مكتظة بالسكان الفلسطينيين.
إلى ذلك، يورد معهد الأبحاث التطبيقية في القدس (ARID) ان وكالة المساعدات الأميركية قامت بتمويل 23 % من شبكة الطرقات الالتفافية التي شقتها سلطات الاحتلال في العام 2004. ويقع معظم هذه الطرق في المنطقتين "ب" و"ج" اللتان تضمان أكثر من 80 % من مساحة الضفة الغربية، والتي تخضع لسيطرة الاحتلال الإسرائيلي الذي يشرف على كافة أعمال الطرقات. وكانت البلدان المانحة التي تشرف على "عملية السلام" وتمولها قد وافقت على شق 500 كيلو متر من هذه الطرق بكلفة بلغت 200 مليون دولار، منها 114 مليون دولارا قدمتها وكالة المساعدات الأميركية. ومن المقرر ان يستكمل طريق آخر طوله 120 كيلو متراً مع حلول نهاية هذا العام، وسيحيط معظم هذا الطريق بالمستوطنات اليهودية في القدس الكبرى خالقاً جداراً من الطرق السريعة المعبدة لتعزيز جدار الفصل الذي يقطع الضفة الغربية عن القدس، وبغية ترجيح الميزان الديمغرافي في القدس الكبرى لصالح المستوطنين اليهود وضد سكانها الأصليين الفلسطينيين.
وفي الغضون، يجري امتداح باقي أعمال الطرقات التي تنساب عبر الأودية صاعدة إلى التلال ومنحدرة إلى أودية الضفة الغربية، باعتبارها "إنجازاً" لحكومة سلام فياض في رام الله. وفي الحقيقة، يمضي فياض أبعد من ذلك ليتفاخر بأن هذه الطرقات هي مشروعات فلسطينية "تخترق" منطقتي "ب" و"ج"، وهي تبعا لذلك "تخالف" التقسيمات الأمنية للضفة الغربية كما عرفتها اتفاقيات أوسلو. وفي الحقيقة لا تستطيع وكالة المساعدات الأميركية بدورها الادعاء بأن هذه الطرق تعتبر واحدة من "منجزاتها" في تسهيل حركة الفلسطينيين في ظل الاحتلال، كما لا تستطيع السلطة الفلسطينية اعتبارها انتصارا معقولاً. وكما يشرح سهيل الخليلي، رئيس دائرة مراقبة التحديث: "إن ما يحدث هو أن وكالة المساعدات الأميركية تقدم هذه الخدمة من مشروعات البنية التحتية للسلطة الفلسطينية ولسان حالها يقول بالأساس: "خذ الحزمة جميعاً أو دعها جميعاً. وعليه، فإن السلطة الفلسطينية تجد نفسها مضطرة لأن تقبل طرقاً لا تريدها من تخطيط إسرائيل".
من جهتها، تشرح أنغريد جرادات غاسنر، مديرة مركز بادل للموارد الخاصة بالإقامة الفلسطينية وحقوق اللاجئين، تشرح الأمر على نحو ربما يكون أوضح، فتقول "إنه لأمر يبعث على الحزن أن تجد السلطة الفلسطينية وهي تساعد في بناء كانتوناتها الخاصة، بينما يسيطر المستوطنون على الطرقات الرئيسية".
وفي الشهر الماضي، أصدر فياض بياناً نفى فيه أن تكون السلطة الفلسطينية قد ساهمت في إنشاء شبكة من الطرقات كانت سلطة الاحتلال قد اقترحتها. وأضاف غسان الخطيب، الناطق بلسان حكومة فياض، أن السلطة الفلسطينية تبذل قصارى جهودها لمنع نشوء "نظام أبارتيد" في الضفة الغربية. لكن الوقائق على الأرض تفند لسوء الطالع مثل هذا النفي وهذه التأكيدات.

المصدر: الغد، عمّان، 30/7/2010

 

 
< السابق   التالى >